زينب بين اليقين الإيماني والفعل الرسالي لنهضة الأمة
بقلم الاستاذ بهاء الدين الخاقاني / العراق
زينب ‘ع‘ بنت الإمام علي وأخت الإمام الحسين تحملت مسؤولية المنهج الإصلاحي الإسلامي استمرارا لمنهج الحسين في إعادة الأمة إلى مسارها الصحيح للبعثة النبوية حيث تعتبر الامراة المصلحة الأولى في التاريخ الإسلامي بعيدا عن صفة النبوة والإمامة بل و وريثة علومهم لقربها من التربية الرسالية المحمدية والتربية الأمامية. وهذه المسؤولية باتت موضع التنفيذ في ساحة الأمة وفي المواجهة المباشرة مع السلطة بعد استشهاد الحسين (ع( ولمدة ما يقترب من سنة واحدة حتى وفاتها وحتى استكمل الضر ف لإمامة الإمام علي بن الحسين زين العابدين للاستمرار بالمنهج وإصلاح الأمة التي مازالت تعاني نفس أساسيات تدهور والانحراف. وهذه الاستمرارية اعتمدت العلم الوجداني لتعمل وفق إيمانها النابع من التربية والنشأة النبوية، بعيدا عن الظن بمستلزمات التكليف أو الشك بالمبدأ الإسلامي لتصحيح انحرافات الأمة.إن مبنى التصرف عندها هو المبنى المحمدي والجامع للقران والسنة دون ريب أوشك، لتأخذ منهجيتها لتوضيح الرسالة إلى المكلف من الأفراد والمجتمع والأمة عناصر التكليف للوصول إلى احد مراتب اليقين أو مرحلة من مراحل الأيمان وكل على ضوء استعداداته الإنسانية والثقافية والتربوية وتهيئة لليوم الموعود بان يرث الأرض عباد الله الصالحون في إطار الاستعداد الإنساني بين المحرك العقلي والمحرك الشرعي وفي ثقافة من التوازن بينهما للوصول إلى الحقيقة في توضيح أسباب انحراف الأمة وايضاتوضيح قواعد النهضة وظهور الاستعداد لدى الإنسان للاستقامة واستحقاق الفرد ومن ثم المجتمع ومن ثم الأمة للدخول في المراحل النهائية لدولة الله عز وجل في الأرض على ضوء القران والسنة، وهذا يلمس في منهجيتها الثقافية التبليغية الرسالية وفي حوار مع أبيها (إن الحب لله تعالى والشفقة لنا ), وكانت قد قالت في مورد أخر ( من أراد أن لا يكون الخلق شفعاؤه إلى الله فليحمده, الم تسمع إلى قوله: سمع الله لمن حمده, فخف الله لقدرته عليك, واستح منه لقربه منك ).
إن تصرفها يرتفع عن مستوى المكلف إلى مستوى القدوة والعلمية التي تتصف بالعلة التامة في و جوب الموافقة القطعية على ما كلفت به من مسؤولية في مورد العلم الا جمالي في أن يكون الجهد والمنهج في سبيل الله وليس بمقتضى استشهاد أخيها وليس المورد هو مورد استثارت الناس للثأر وهذا الموضوع بعيد عن منهجيتها كليا والتي هي منهجية الإسلام وكونها هي عليها السلام احد دعاته استمرارا للدعوة النبوية ,ودون لزوم الحكم عقلا بالاحتياط بل باليقين التام كما هو تصرف الرسول (ص)وأوصيائه: ولهذا كونها مصلحة لايعني إن صفاتها في السلوكية هي سلوكية المصلحين في إطار التعامل مع الأحكام العقلية والأحكام الشرعية والاحتياط, إن سكوت الإمام زين العابدين هوا قرار فكري وعملي لمنهجيتها حتى وفاتها لتكون قدوة الإسلام الفكري والعملي بعد رسول الله ورغم وجود الإمام السجاد (ع), وهذا أيضا ما يدلل على سكوت زوجها عبد الله بن جعفر الطيار ابن عمها عن حقوقه الزوجية وهواعمى وهي أولى بالوفاء بالحق الزوجي ليسمح لها التوجه مع أبنائه مع الحسين (ع) واستشهاد أبنائه في معركة ألطف النهضوية لعلمه بالمستوى الشرعي المكلف به في الرسالة النبوية وفي ما ورد من ارث من الرسول (ص) والأئمة (ع) من روايات حول دورها فلايمكن زوجها من تعطيل هذا الدور الشرعي الرسالي, ليدعمه بالموقف لمواصلة الرسالة التي أيضا استشهد من اجلها أبوه في معركة مؤتة ضد الروم في الأردن آنذاك وسيستشهد أبنائه من اجل نفس الرسالة وستكون زوجته عقيلة الهاشميين القدوة وهي حفيدة الرسالة وابنة الإمامة وأخت الوصاية وعمتها قد أكد في استقبال المعزين بعد واقعة ألطف ( والله انه لما يسخى بنفسي عن ولدي, ويهون علي المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسين له صابرين معه.. الحمد لله, لقد عز المصاب بمصرع الحسين أن لا أكون واسيته بنفسي, فقد واساه ولدي. ), وهنا ترتسم وظيفة الرسالة في عبارتها الخالدة وهي على جثمان أخيها الشهيد ( اللهم تقبل منا هذا القربان ). ولابد من لفت النظر إلى إن منهجيتها تكريس وتوضيح لمنزلة أهل بيت النبوة ودورهم القيادي ومميزاتهم الاجتماعية ليس بالمفهوم السائد من ميزة الفوقية للمسئول والقائد أو الأمير بل بميزة المنزلة الإلهية من حيث العزة والكرامة والشجاعة والصبر وفي سلوكية تعكس المنهج التربوي في الرسالة التي تحملت أعبائها لإصلاح الأمة وتوعية أجيالها وكمثال على ذلك وهي توجه الكلام إلى من جهلها وأهل البيت في الأسر والسبي عندما أراد أن يقدم الناس لهم الطعام وهم يتضورون جوعا ( الصدقة محرمة علينا أهل البيت ).
• فهي قد حققت اليقين في مورد العلم الإجمالي من أنها وضحت بسلوكياتها حرمة مخالفة السنة النبوية والقران وهذا بكل تاكيدمنهجية ألائمة الأطهار وما خرج من اجله سيد الشهداء الحسين (ع) لتكون في جانب من هذا العلم المفسر لمبادىء الإسلام في إطار تحرك النبي (ص) في زمانه وتحرك ألائمة في زمانهم, ومفسرة هذا المنهج على ضوْ القران ومن أن القران لسانه ألائمة الأطهار (ع) بالتالي فهو توضيح لحرمة المخالفة لمنهجهم قطعيا إلى جانب الموافقة القطعية لمنهجهم وسلوكياتهم (ع) وهذه الحرمة والجهل بها إحدى مسببات تدهور الأمة وانحرافاتها ولعب المستعمر بها لأنها ليس لها المنهجية التي سنها الله لمصلحتها ليس في إطار التسيد على العرش بل حتى في إطار الفشل في تغير النفس نحو العلى ورب العالمين وهذا هو التوضيح البسيط لمنهج آل البيت (ع) وما سعت له العالمة زينب (ع) لتمثل في حرمة المخالفة ووجوب الموافقة ميزان العدل الإلهي لنصرة الإنسان في الأرض بل منجزية العلم الإجمالي لمقتضى الرسالة في حركة الأنبياء والأوصياء وهذا ما سعت له العقيلة في ثورة الحسين من قبل ومن بعد, وهذه وصيتها للأجيال, في توضيح عناوين منهجية النبوة وهي تواجه ممثل الطاغوت لذلك الزمان (الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه, وطهرنا من الرجس تطهيرا, إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر, وهو غيرنا, ). وهذه العبارة العظيمة هي مراتب العلم الإلهي ومراتب النبوة والإمامة إلى جانب مراتب التبشير لمن يزكي نفسه من عموم البشر ليحدث فيها التغيير والتوعية نحو الأفضل في سبيل الله وفي مبدأ العبودية له في التفكير والعمل والمنهجية والسلوك بمقتضى ما توصل من درجات من الأيمان نحو مراتب من اليقين وما تغلب في النفس منه على الجهل ليعي معنى السلبية ومعنى الايجابية وكيفية العمل بهذا العلم على المستوى الإنساني لإحداث التغيير ولو بدرجات في كيان الأمة والأخذ بيدها نحو النهوض, وابسط مبادىء هذه السلوكية, الأخلاق وهو رسالة الإسلام العملية نحو رقي النفس وتطهيرها من رجس الشيطان والعمل في جهاد النفس لتجاوز مبدأ (ألانا ) المؤدي لانحرافات الأمم واندحار الحضارات وفسادها وبالنتيجة الشرك بالله أو إحداث الردة على المبدأ السماوي وكما حدث لجميع الرسالات السماوية من انحراف الأمم عن رسالة أنبيائها, فعلم العقيلة شكل عملية يقينية لتنجيز هذه المنهجية ويقينا بعلية هذا الحدث الحسيني لاستمرار الرسالة السماوية وهو علة تامة اقتضت الاستجابة لها فعلا وسلوكا, إذا اليقين استدعى كل إمكانية السيدة زينب للسير مع الحسين (ع) وإكمال السبيل بعد استشهاده وإعداد الإمام زين العابدين لمثل هذه المسؤولية كوصية من أخيها الشهيد وهذا ما يدل على الدفاع عنه حتى إلى درجة الموت ليتركوه بالنتيجة كتوفيق ألاهي لاستمرار الإمامة من بعد سيد الشهداء (ع) وهي تخاطب ابن أخيها زين العابدين (ع) ( ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأخوتي, فوالله إن هذا العهد من الله إلى جدك وأبيك, ولقد اخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض, وهم معروفون في أهل السماوات, أنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة فيوارونها, وينصبون بهذا ألطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره, ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام, وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلا علوا... ) , ولم تجد المانع بحكم قضاء الله لها من مواصلة المنهج والتبليغ له.ولابد من التوضيح فهي بموجب نشأتها لا تخضع للموانع الانساتية المعترضة للبشرية في الأحكام الشرعية وعوامل اتخاذ الموقف العقلي, فانه من اليقين لابد أن يكون منهجها هذا الذي اتخذته لنفسها وصية من الرسول (ص) وأبيها وإخوتها ألائمة (ع) لأنه في مسؤوليتها لا ينفك المبدأ الإلهي عن سلوكياتها وفكرها وهي انسانة كباقي البشر, ولكن لها امتداد النبوة والإمامة في توعية البشر كمصلحة دون المصلحين الآخرين, ومن حيث انه لايمكن انفكاك المعلول عن العلة التامة, وقد كان هذا وعيها اليقيني بالحدث الحسيني وتدهور الأمة وكيفية سبل رقيها لتشهد عبارتها بذلك مفسرة استشهاد أخيها كموقف رباني لإصلاح الأمة ( ما رأيت الاجميلا... )
للنظر بما يؤكد الارتباط الوثيق بين النهج الرسالي الإلهي الذي سار من اجله الحسين(ع) والذي استمرت عليه العقيلة زينب إنها أدت صلاة الشكر وحمدت ربها بعد استشهاد أخيها وأصحابه وأهل بيت النبوة وما يدل على صحة هذا المنهج ودلالاته الإيمانية أيضا ما أخبرت عنه آنذاك سيحدث ويكون في يومنا هذا عبارة مهمة وردت في خطابها أمام يزيد( فكد كيدك, واسع سعيك, وناب جهدك, فوالله لا تمحون ذكرنا, ولا تميت وحينا, ولا تدرك أمدنا, ولاترحض عنك عارها ).وبذلك فان العقيلة زينب (ع) هي بالمرتبة الأولى من المراتب الإنسانية القريبة من النبوة والإمامة أو تلك التي تجاهد كيما تصل إلى درجات مقبولة من المنازل الإنسانية القريبة من الرضا الإلهي, وهي الممثل لهذه الرتبة الربانية التي حباها لها ربها فكرا وسلوكا كامتداد لمهمة ووظيفة أهل البيت في تحصين الدين من الانحراف وتعريف الأجيال بكيفية النهوض وهذا ما أكدته الروايات وأهمها ماروي عن خاتم الأنبياء بعد أن سمعها في طفولتها وهي تحاور في التوحيد, وما أكد عليه الإمام زين العابدين في تقرير مواقفها شرعا وفكرا من أنها ( عالمة غير معلمة, وفهمة غير مفهمة )
وهكذا جسدت عقيلة الهاشميين زينب (ع) منهج العدالة الإلهية والحق في توضيح النهضة الفكرية الإسلامية بالعودة إلى الينبوع الأول من الوحي الإلهي والبعثة النبوية وهذا حصن الأمة ودرعها المتين لكي يرث الأرض عباده الصالحون فقد كانت بحق سليلة العترة النبوية والتربية الأمامية والامتداد الحسيني لبقاء الإسلام( إن الله اصطفى ادم ونوحا وال إبراهيم وال عمران على العالمين؛ ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم )