افتتاحية العدد السابع من مجلة النجمة المحمدية
بقلم الدكتور عصام عباس ـ رئيس التحرير
مؤتمر كنيسة محردة الزينبي ـ 
مؤتمراً تأسيسيا لحوار هادف وبنّاء بعيدا عن حوارات المجاملة والكلام
بسم الله الرحمن الرحيم
حدث ليس من وحي الخيال ،
ولا نسج صحفي سطرته وسائل الإعلام التي تنسج الأخبار حدثت أم لم تحدث ،
ولا قضية كتبها التاريخ قبل مئات السنين ونعيد تكرارها بسيناريو جديد وسياق معدل وفق منفعتنا،
ولا سبق افتعله رجل دين أو رئيس طائفة ليظهر كفائتة وسماحته وتسامحه في التقريب بين وجهات النظر المتباينة والمختلفة على مر العصور ،
ولا فعل رجل دولة يريد أن يظهر ديمقراطية نظامه وحرية الرأي التي ينتهجها ...
الحدث هو قرار رباني شاء الله أن ينفذه عباد آمنوا بمشيئته وقدرته ، أحاطتهم رعاية السماء وغمرتهم رحمة الله تحقيقا لأمره وتنفيذا لإرادته وإظهار وعده الحق لمجتمع غاص كثيرا في طمس الحقائق التاريخية المشرفة وصورها على أنها أحداث مرت وانتهت وحفظها التاريخ في مدوناته مع مرور الزمن ، لا تحتاج إلا أن يُحتفى بها إحياء للذكرى وصاحب الذكرى ، فكان الحدث عيد الإنسانية ...
فمهرجان النجمة المحمدية : عندما سعيتُ بسنّه في دمشق عاصمة الحضارات النبوية والديانات السماوية عاصمة لفت بعلمها نجمتين ، قال عنهما شيخ من دمشق وعضو في برلمانها إنهما نجمة لمحمد ونجمة للمسيح (تصريح تلفزيوني للدكتور محمد حبش)،
فأضفتُ على قوله أن نجمة محمد هي حامية دينه يوم قرر الأوغاد طمس معالم الدين وإخفاء آثاره إنها
السيدة زينب المقدسة (ع)
ونجمة المسيح هي من رعت كلمة الله واحتضنت روح الله بصبر ورضا إنها أم يسوع المسيح
السيدة مريم المقدسة (ع)
فبهاتين النجمتين حما الله سورية وبارك الله بشامها يوم دعا النبي محمد (ص) ربه
(اللهم بارك لنا في شامنا ... ) ،
فأية بركة ومباركة تريدها الشام أكثر من هذه الصروح النبوية الشامخة في عليائها وأرفع من هذه الحضارات النبوية المشرفة لتاريخها ..
فعندما سعيتُ بسن هذا المهرجان قبل خمسة عشر عاما أي في عام 1992م ـ 1413هـ أردتُ أن أكون دليلا مع رجال مخلصين اختارهم المولى بكفاءاتهم وقدراتهم من كافة الديانات ومختلف الطوائف للمجتمع الذي أعيش في كنفه منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن خاصة والمجتمع العربي و الإسلامي عامة ما تذخر به سورية من حضارة خصها المولى وشرفها بها وتجاهلها الناس عن عمد أو غير عمد بسبب تاريخ الأمة الغابر عبر عصورها المظلمة التي زجت عليها أنظمة وحكومات ابتعدت عن طريق الله وهمشت دياناته ونفذت ما أملتها أحقادهم وما ورثوا من جهالات دمرت الأمة وغبّرت الأجيال بحماقاتها وقوانينها الفاسدة وعنجهيتها المتغطرسة وسوء قياداتها فتاهت الأمة عن الموروث السامي والكرم الرباني الذي خصها الله به لتكون دروسا حقيقية تعلم الناس كيف يمكن مواجهة الطغاة وتحطيم أحدوثتهم وتطبيق كلمة الحق على الأرض وجعلها هي النافذة وإزهاق كلمة الباطل إلى غير رجعة ...
هذه الحضارة هُمّشت على مدى أربعة عشر قرنا حيث ترقد السيدة الطاهرة زينب (ع) وسط غوطة دمشق ، فقبل عقدين من زمن إقامة المهرجان قدمتُ إلى دمشق عام 1974م ، كان يومها الرحاب الطاهر بناء متواضعا وكانت يومها المنطقة أكثر من مهملة لا يصح السكن فيها وشاء الله أن يشرف هذا البلد بحافظ الأسد الذي فك أسر السيدة زينب وفتح قيدها وأنهى حصارها ، وشاء الله أن يبتلى العراق بطاغية العصر الذي حكم كيزيد بالنار والحديد وهجر الشعب العراقي دون ذنب فاحتضن الأسد كل العراقيين في عرينه دون استثناء وأتاح لهم الفرص من بينها نشر فكر أهل البيت فقدم العراقيون إلى سورية وحلقوا حول هذا الرحاب المقدس وعمروا وأسسوا مؤسسات دينية وثقافية وإعلامية في جنباته ، فكان الناس يعملون ورشة عمل كخلية نحل في بناء اللبنة الأساسية لهذا العمل العقائدي الحضاري الذي كان الرئيس حافظ الأسد مؤسسه وبانيه وحامي حماه ... واستمر العمل من بعد رحيله لأنه رسم منهجية فكرية وأطلق مسيرة إيمانية عقائدية يجب أن يذكرها التاريخ وتدونه صفحاته ، فمجلة النجمة المحمدية انطلقت في أعوامها الست الماضية ومهرجان النجمة المحمدية انتقل لتحتضنه المراكز الثقافية في دمشق ليكون أوسع انتشارا بين أطياف المجتمع المتنوعة .. وفي أعوامه الخمسة عشر استقطب المهرجان أكثر من مئة وخمسين شخصية فكرية وعلمائية وثقافية وأدبية وسياسية من مختلف الطوائف الإسلامية والديانات السماوية ، فكان احد اللقاءات المميزة هو لقائي كمقيم للمهرجان برجل دين مسيحي مميز متفهم أعتز بعلاقتي به ، فقد استضاف المهرجان رئيس السنودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان قداسة القس معن بيطار في عامه الثالث عشر وألقى محاضرة مميزة وقيّمة وفي العام التالي استضاف المهرجان قداسته الذي أفاض بمحاضرة مميزة أخرى ، حرصت أن تكون هاتين المحاضرتين مع كلمته في دمشق ومحاضرته في محردة في المهرجان الخامس عشر ضمن هذا العدد الخاص من مجلتنا النجمة المحمدية رغم نشرهما في العددين السابقين ، وفي هذا المهرجان أصر هذا الرجل أن يستضيف أعمال اليوم الثالث من مهرجان النجمة المحمدية الخامس عشر في رحاب كنيسته العامرة في محردة وتشرفنا بدعوته
وتحقق ما لم يتحقق من قبل انه السبق الحضاري بامتياز
إذ لأول مرة في التاريخ تحتفي كنيسة بحفيدة النبي محمد(ص)
وأول مرة في التاريخ تحتفي كنيسة بإحياء ذكرى سيدة أو شخصية من رموز الشخصيات الإسلامية وهي سيدة البيت المحمدي السيدة زينب (ع) يجتمع فيها المسلمون والمسيحيون معا ليتبادلوا التهاني والتبريك ،
ولأول مرة في سورية تحتفي محافظة حماة بذكرى مولد السيدة زينب عليها السلام على الصعيد الرسمي والشعبي وبحضور مسيحي إسلامي ديني وثقافي وشعبي ملفت للنظر وفي كنيسة محردة الإنجيلية المشيخية ...
فما الذي حدث إذاً ؟؟أهو لقاء مجاملة ؟ أم هو إظهار للتسامح المنشود والذي تطرحه الفئات الدينية المتنوعة ؟
أهو.. أهو.. أهو..؟؟؟؟ والتساؤلات كثيرة ...
أقول لكم : جوابا من فم النبع ... لا نغوص كثيرا ولا نستغرب كثيرا ولا نستفهم كثيرا كثيرا..
إنها إرادة الله اختارت هذا الحدث ولا فخر ، تحفيزا لكل الشرائح الدينية والفكرية والثقافية والسياسية في الاعتزاز بعقيدة السماء والالتفاف حول أرباب هذه العقيدة وهم الأنبياء وورثتهم والكتب السماوية التي جاؤوا بها وهم حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض فعلينا التمسك بحبله كي نرقى بأمتنا ومجتمعنا إلى التقدم والتطور والانفكاك من قيود الجاهلية الأولى التي غمرتنا بحقدها الأعمى وكراهيتها لخلق الله وترك حماقاتها الضالة فإنها لا توّلد إلا القتل والخراب والتدمير والعدوان ..
إرادة الله التي اختارت هذا الحدث أن تحتضن كنيسة محردة مهرجان السيدة زينب (ع) وفكرها ومنهجيتها
في 12/6/2006م وتحتفي بذكراها العطرة ويتحدث فيها من وفقه الله للحديث ويحضر فيها من وفقه الله أن يحضر هذا الحدث التاريخي ، وهنا كانت المباركة مشتركة ،
المباركة.. مسيحيون ومسلمون قدّموها للسيد المسيح والنبي محمد عليهما الصلاة والسلام
قدموها للسيدة مريم والسيدة الزهراء عليهما السلام
قدموها للمسيحيين والمسلمين دون استثناء لزيادة تآخيهم وتوادهم وتراحمهم
فالله مودة وتقارب والله رحمة وتحابب ، وما أنزل من كتب سماوية وما أرسل من رسل نبوية كانوا كلمة الله ورحمته الواسعة لخدمة الإنسان وإخراجه من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة ...
المسيحيون يحملون الحلوى ويقدموها لإخوتهم المسلمين ابتهاجا و فرحة، والرهبان يقفون على باب الكنيسة يستقبلون الضيوف من المسلمين والمسيحيين ويرددون عبارات:
كل عام وانتم بخير .. عيدكم مبارك .. أهلا وسهلا !!!
وسيد الكنيسة القس معن بيطار يصرح بان هذا الحدث هو سبق حضاري تشهده سورية اليوم والعالم أجمع...
صدقا انه عيد الإنسانية..
فالإنسان هنا كان محتفيا وقد جرد ذاته من أي انتماء إلا لله وحده لا شريك له ، وتفهم حقيقة أن آل الله هم رحمة للعالمين وليس لفئة معينة من البشر فالأنبياء وورثتهم هم لكل الخلق لو عرف الإنسان ذلك حقا وتفهم حقيقة المحتفى بها هي وريثة النبوة وحامية الرسالة فهي كأخيها الحسين وريث آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ،
إذا ألا يحق للكنيسة أن تحتفي بوريثة أنبياء الله ؟؟
فكانت الكنيسة هي المكان الذي احتفى واحتضن الذكرى العطرة بميلاد السيدة زينب (ع) ..
خطبة عيد مشتركة ألقاها رجل دين مسيحي ورجل دين مسلم سني ورجل دين مسلم شيعي من على منبر كنيسة بصلاة مشتركة بمناسبة عيد ميلاد حفيدة النبي محمد (ص)
حدث تحقق بفضل الله وكرمه ، بسعي من آمنوا أن الناس إخوة توحدهم كلمة الله وتربطهم روح الله التي نفخت فيهم فعليهم تقديسها وطاعتها،
فنرجو أن يُستثمر هذا الحدث ويكون درسا تنافسيا
شريفا للكنائس والمساجد معاً .

لذا وجب عليّ أن اخص هذا الحدث بعدد خاص من مجلة النجمة المحمدية أصدره في غير الوقت الذي تصدر فيه نجمتنا المحمدية لعظمته وخصوصيته والتمعن بمفرداته لأنه حدث فريد من نوعه ستسجله كتب التاريخ وتدونه بسطور لامعة نقدمه بين يدي الله تعالى
إذ كان مؤتمراً زينبياً بحق ...
مؤتمر محردة كان مؤتمراً تأسيسيا لحوار هادف وبنّاء بعيدا عن حوارات المجاملة والكلام
مؤتمر محردة جمع الديانات برغبة السماء وغاية الأنبياء وجهد الإخلاص
مؤتمر فريد بغاياته، ومنطلق إلى نهضة فكرية حضارية تجمع ديانات الله وكلماته وان كره الكارهون
آملين منه عز وجل قبولا ورضاً . آمين .
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين وإخوته الأنبياء والمرسلين سراج الله ورحمته للعالمين.