كلمة تقديمية للعدد الخاص (السابع) من مجلة النجمة المحمدية
لسماحة الدكتور محمد حبش ـ
عضو مجلس الشعب ـ رئيس مركز الدراسات الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
شرف كبير للمرء أن يقف في أعتاب السيدة الشامخة زينب الكبرى عقيلة الهاشميين وهي تخط في تاريخ سوريا وجهها الحضاري والإيماني والتحرري، ولهذا أجد نفسي مدفوعاً للكتابة في صحيفة النجمة المحمدية عن السيدة الكريمة زينب التي هي بحق أهم امرأة في تاريخ الشام على الأقل من جهة أثرها الباقي الذي تشهد له ملايين الزائرين الذين لم ينقطعوا عن ضاحية دمشق الجنوبية عند قرية راوية التي سميت فيما بعد باسم السيدة زينب، وهي أيضاً مشروعنا الذي نطالب به في مجلس الشعب من أجل تسمية الحي الكريم المجاور للسيدة باسم: مدينة السيدة زينب، وأن يكون له من العناية والرعاية مثل ما يكون للمدن، خاصة أنها اليوم من أبرز المعالم السياحية في سوريا، وليس عجباً أن نقول إن كل ما تمتلكه هذه البقعة اليوم من شروط المدن هو فقط هذا الضريح وزواره، ولكنهم بدون مبالغة يعدون سنوياً بالملايين، يقدمون من عشرات الجنسيات في الأرض وفاء للسيدة الكبرى زينب الطهور، وليس سراً أن نقول إن ضريح السيدة الطاهرة مريم هو أكثر ضريح لامرأة في العالم يغشاه الزائرون والمحبون بروح الاحترام والمحبة والقداسة.
علينا أن نعترف أيها الإخوة أن دراستنا لرسالة أهل البيت في الشام لا تزال تعاني من سطحية كبيرة وتفتقر إلى دراسة في العمق للرسالة التحررية التي قادها أهل البيت في الشام وبوجه خاص نساء أهل البيت، زينب الكبرى وزينب الصغرى وسكينة بنت الحسين وشريكتها في رسالة التحرر عائشة بنت طلحة.
لم تكن هؤلاء النسوة مجرد ناسكات يأتيهن الناس لطلب الدعاء والاستغفار، وفي الواقع فإن الناس أغرقوا ضرائحهن بالصلوات وأعرضوا عن رسالتهن في الإصلاح والتحرر، فمن بين الملايين من الزوار لضريح السيدة زينب هناك القليل من الناس يدركون روحها المتوثبة التي كانت تقف راسخة أمام الاستبداد تقدم مشروعها السياسي في وجه يزيد ومروان وعبد الملك دون خوف ولا وجل، وتصرخ في وجهه: والله لئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك. ثم تقول «فكد كيدك واسعَ سعيك وناصب جهدك فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد.
وأما السيدة سكينة بنت الحسين فسيتذكر التاريخ أنها المرأة التي دفعت النساء إلى حقوقهن وعقدت عقدها بعبارتها ولم تشأ أن يكون الرجل عليها ولياً، وفتحت صالونها الأدبي في قلب العاصمة دمشق، لتستقبل الشعراء والأدباء والعلماء، ولئن تجبنت كتب الحديث عن رواية أخبارها فإن كتب الأدب طافحة بأخبارها ومواقفها، وهي ترسم ملامح امرأة ثائرة كانت صوتاً للمرأة التي تدرك بحق أين أقام الله المرأة في موقع الريادة والمعرفة والمسؤولية وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.
لم أجد تفسيراً للروح المتوثبة التي كانت لسكينة بنت الحسين إلا من خلال دور عمتها الرائد زينب الكبرى التي تبقى أهم امرأة ثائرة في مواجهة الاستبداد والقهر.
زينب الكبرى رسالة مستمرة، وضريحها داخل الصحن الزينبي شاهد حي باق على منزلة المرأة في الإسلام، وحين كانت أوروبا في العصور الوسطى تحسم جدلها بأن المرأة مخلوق دنس، وفي أحسن الأحوال هي إنسان غير جدير بالحياة الكاملة وأنه محض مخلوق استكمالي لمتعة الرجل وشهوته ونهمته، وأن من الكياسة والتدين والتعبد والطهارة أن يعرض المرء عن النساء ويتجنب الاتصال بهن، وفي ذلك كمال طهر وقداسة فإن علماء الأمة الإسلامية في الوقت نفسه وفي العواصم الأوروبية إياها في قرطبة وغرناطة وإشبيلية كانوا يصرحون تماماً بأنه لا يوجد ما يمنع المرأة من بلوغ أعلى مدارج المجد وأنها بلغت رتبة النبوة إياها في شخص السيدة الطاهرة مريم عليها السلام كما قرر ذلك أئمة الإسلام في الأندلس الإمام القرطبي والإمام ابن حزم، وحظي هذا الرأي باحترام كبير لدى أئمة الهدى في الإسلام من أمثال الإمام ابن حجر العسقلاني وهو منقول عن أبي حنيفة من قبل.
والحدث الذي أشير إليه باحترام هو قيام كنيسة محردة عبر قسيسها الفاضل معن بيطار بإحياء ذكرى السيدة الطاهرة زينب في كنيسة محردة بالتعاون مع فريق النجمة المحمدية برئاسة الأخ الدكتور عصام عباس الذي كرس جهداً كبيراً للوفاء للسيدة الكبيرة عليها سلام الله ورضوانه.
ليس في الموضوع أية أسرار، وقيام الكنيسة الكريمة بالاحتفاء بالسيدة الطاهرة زينب هو السياق الطبيعي لرسالة المحبة التي علمها السيد المسيح للأمم ، وهو بالتالي قيام بواجب رد التحية بمثلها أو بأحسن منها، فقد عرف العالم أن المساجد كافة في طول العالم الإسلامي وعرضه تحتفي كل يوم بذكرى السيدة الطاهرة مريم، صباح مساء إذ هي سورة من القرآن المجيد، وهي فرع من دوحة آل عمران التي خصصت بثاني أكبر سورة في القرآن الكريم وهي اسم للملايين من النساء من أتباع النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.
يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين.
السيدة زينب في محردة وجه حضاري لبلاد الشام ، التي ظلت عبر التاريخ مبعثاً للأديان ومهداً للحضارات، وصورة للوجه الذي مضى عبر التاريخ مشرقاً بساماً للروح الغالبة للمحبة والرحمة التي عاشت الشام عليها وبها، وحين أقرأ في علم الوطن ألوانه الزاهية التي تشير إلى الحضارات المتعاقبة التي مرت على الشام فإنني أشعر بالفرح والفخر حين أقرأ نجمتيه الخضراوتين وهما ترمزان إلى أعظم مجد في تاريخ سوريا محمد والمسيح.
السيدة زينب في كنيسة محردة كان عنواناً فرح به السوريون ورأوا فيه تأكيداً على هوية الوطن وتاريخه وتراثه الطويل، ورأوا فيه أيضاً ترسيخاً للوحدة الوطنية التي لا تزال سوريا تعيشها وتتمثلها، وهي أيضاً وسام محبة على صدر الرجلين الكريمين اللذين ذهبا في اقتراح هذه الفكرة وتحويلها إلى حقيقة واقعة إلى الغاية على الرغم من الأسئلة الفضولية الكثيرة التي ستلاحقهما طويلاً بعد نجاح هذا اللقاء الكريم، من مسلمين ومسيحيين وعلمانيين على السواء، ولكن الجواب الذي قدمه اللقاء الكبير كان كافياً لإقناع كل أحد أنما المؤمنون إخوة، وأن الخلق كلهم عيال الله، وأن الأنبياء إخوة لعل أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، وأن لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً وأن الإنسان أخو الإنسان أحب أم كره، وأن الله سبحانه يقول: المتحابون في جلالي أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي.
نعم السيدة زينب الكبرى في كنيسة محردة دليل صارخ على خلود رسالة المحبة بين أتباع الأنبياء، وجواب قاطع في وجه أولئك الذين ينادون باحتكار الخلاص ويزعمون أن الله خلق الجنة لهم وأن ليس للآخرين في رحمة الله ورضوانه وغفرانه حق ولا نصيب، وظنوا بالله غير الحق ظن الجاهلية، وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان منا، وأجابهم القرآن بقوله: تلك أمانيهم، وبالتالي قوله: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً، ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً.
كان اللقاء في محردة رسالة محبة للمؤمنين بالإنسان، ورسالة قاسية ضد احتكار الخلاص واحتكار الجنة واحتكار الدين واحتكار السماء واحتكار الله، وهي الأمراض التي ظهرت في الأمم الأولى وكانت سبباً في قيام حروب وحروب، ونزاعات لا تفتر، ولا يمكن لها أن تفتر إلا بقيام رسالة المحبة من خلال لقاءات شجاعة وجريئة مثل هذا اللقاء الكبير في كنيسة محردة.
مرحى للدكتور عصام عباس وللقس معن بيطار، ومرحى للمئات من أبناء محردة الطيبين الذين شهدوا ذلك العرس الإيماني، وإنا وإن لم تساعدنا المطايا لنكون معكم فقد صحت منا النوايا بأن نشارككم روح المحبة لتراث الأنبياء وجهادهم الباقي في الأرض في بناء إخاء الإنسان للإنسان.