الأخوة الحضور ، الأخوات العزيزات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عنوان كلمتي عقيلة الهاشميين كربلاء ثانية

الإمامة قرار رباني يبنى على أساس اختيار الأصلح وسلوك ذاتي في التعبير عن رسالة السماء وروح متواصلة إلى قيام يوم الدين في الأمم والجماعات والمجتمعات
والإمامة بهذا المعنى تختزن تشريعات السماء مثلما تتعدد مظاهرها وأسماؤها وعناوينها فإمامة الفقه شقيقة إمامة الإصلاح الفكري وإمامة الثورة توأم إمامة الدولة وتلك المظاهر والألوان والعناوين تلتقي برافد واحد
وينبوع إلهي كبير هو ترشيد الأمة والأخذ بيدها إلى حيث وضعها الله في سياق كلامه عن الأمم وأدوارها في الكون
( وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) وللإمامة امتدادات تلامس العصمة تصدر عنها وتتشكل إنسانيا ً من ينابيعها هي الشقيقة الأقرب إلى النص الإلهي إنها الصوت الذي يترجم إيحاءات النص ويعمل على تدوينه وتحريكه وتأصيله في الناس وتلك الامتدادات لا تمثل حركة خالية الفضاء من النص بل تعمل بالانسجام مع ذلك الفضاء الحيوي وهي الدليل إلى النص مثلما هي الدليل إلى الإمامة وأسماء أئمتها عندما يغيب الإمام بداعي الشهادة أو الاعتقال أو الغياب القسري بذلك يتحول ذاك الينبوع و الامتداد لممثل أوحد لسلوك الإمامة أو القيادة في الأمة ويترجم النص ويضع الأمة على سكة اللقاء الكبير ما بين رسالة الاسلام ورسالة الأمة في الخلاص والحرية ورؤية نموذج الدولة العادلة الذي نسعى إليه في الحياة
السيدة الهاشمية زينب بنت علي ع هي الامتداد والينبوع والمترجم الأقرب لروح الحسين باعتبارها روح النص هذه السيدة الهاشمية العلوية المحمدية كان لها في الثورة وما بعدها ومضات لولاها لكانت الثورة حركة سرية ومشروعا ً باطنيا ً ونموذجا ً لن يستطيع بمفرده أداء دور النهضة الفكرية الحسينية الكبيرة التي قادها الإمام ضد فساد النظام الأموي وعفونة السلطات القهرية وقدرية الخنوع لطاغوت الحاكم المستبد
كان هذا الامتداد النموذج المقاوم لمؤامرة تذويب الثورة وعنوانها ورجالاتها وفكرتها السياسية المحمدية النبيلة قاتل بكل مواقع الثورة ودافع عن الإسلام بروح علي ورسالة محمد وعنفوان الإمام الشهيد فلم ينكسر أمام هول الفاجعة ولم يضعف أمام ارتدادات المعركة غير المتكافئة ولم يشعر بالهزيمة الروحية والفكرية وحتى المادية ومقاييسها الميدانية لأنه كان على يقين أن المعركة التي يقودها أمام قهرية النظام وعفونة سننه الفاسدة
ولون خطابه المستبد هي معركة قيم سماوية في مواجهة قيم فاسدة معركة نبل النفس المحمدية القادرة على بناء الإنسان والدولة وفق منظومة السماء أمام همجية الدم وضحالة الفكر ورهان القصور المشيدة بجماجم المجاهدين والأحرار على قوة البطش وصلافة النفوس وشراسة القانون الفاسد وكيف تضعف عزيمة هذه المرأة وفي صوتها إطلالة علي وتاريخ جهاده وعبقرية لغته وفي أعماقها محيط محمد ص الزاخر بالنبل والاستيعاب والشجاعة المطلقة والتمسك بالحق الرباني ولو وضعوا الشمس عن يمينه والقمر عن شماله ألا وهل فيكم الصلف النطف والصدر الشنف وملق الإمام وغمز الأعداء كفضة على مركودة ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون هذه هي السيدة المحمدية وهي تخاطب المجتمع الأموي الممتلئ بدنيا الخضوع والمسكنة غير الآبه بما آلت إليه دنيا الإسلام من فساد وعفونة
وقد أرادت من خطابها هذا أن تعيد إلى الذهنية الخانعة المستكينة من أن الثورة لم تكن مشروعا ً سياسيا ً عابرا ً أو لحظة حلم بسلطة
أرادت أن تشير لهم أن ما جرى كان مواجهة بين الإسلام بتشريعاته ونظمه وتكويناته وإمامته وبهاءه الحسيني وبين سلطة باغية وأن هذا الصراع مستمر رغم عنت الجبابرة وكيد السلطات الحاسدة إنها لا توزع في معرض حديثا الثوري وخطابها المحمدي النبيل اتهامات كيفما اتفق إنها قراءات لنوعية المجتمعات التي قتلت الحسين وسبى عياله وأدمى قلب صاحب الرسالة وقد أرادت أن تشير بوضوح إلى هذا المجتمع الذي بغى وارتكب هذه الجريمة الشنعاء هو مجتمع لا يستحق الحياة وكيف يستحق مجتمع بهذه المواصفات والميزات الخانعة وقد ذبح الحياة من الوريد إلى الوريد في رمضاء كربلاء أتبكون وتنتحبون إي والله فابكوا كثيرا ً واضحكوا قليلا ً فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا ً وأن ترحضوا قتل سيد خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل البيت وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرئ سنتكم ورغم هزيمة هذا المجتمع السكوني لكنها لم تخضع لدموع الهزيمة التي رأتها في عيونهم مع أن بها من الفجيعة ما يغطي بدموعها محيطات الكون الهزيمة لا مكان لها في قلب علي الساكن في قلبها ولهذا فقد استمرت الكلمات المتوهجة بالثورة ترعد بين حلقومها ولسانها لقد ذكرتهم أنهم لم يرتكبوا جناية عادية أو جريمة يمكن الصفح عنها باستخدام رداء التسامح والعفو عن المسيء لأنها إساءة رحلت المجتمع الإسلامي من دائرة الإسلام بوجود الحسين عليه السلام إلى دائرة التبعية المطلقة لحكام العصور الجاهلية ولأنهم قتلوا الحجة الطاهرة وسليل خاتم النبوة فهم وفق القانون الثوري سيبقون في بكاء وحزن كبيرين عسى أن يتحول البكاء لحظة التوهج الحقيقي في الأعماق إلى تحول ثوري إلى مشروع باليقظة إلى فعل أساس يسقط أصنام التعويل على السلطة الباغية إلى التعويل على الروح القادرة على صناعة المستحيل الثوري الذي تجلى في كربلاء حيث التقت النفوس الكبيرة على قلة عديدها مع جحافل العفونة و فساد السلطات فكلن المستحيل فكرة مشعة وعنفوان بطولة فريدة وأرواح لم تعرف الهزيمة ووقوف أبدي مع الزعيم وإصرار على إتمام رسالته لقد ذكرتهم سلام الله عليها أنها لا تنتمي إلى منطق العائلات المسبية التي سادت نماذجها في عهد الأموية حيث تختبئ النساء في المحارم أو تباع في أسواق الرقيق المفتوحة وبازار استعراض القوة الغاشمة فكان هذا الربط المحكم بين الثورة التي قادها الشقيق الشهيد وما بين صوتها المتمرد على جبروت الحاكم الظالم القادر على إحداث هزة مدوية في الأرواح المعزولة بأنفاق العزلة ويأتي الصوت الزينبي ثانية وبنفس الحرارة والقوة ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد للنبي فريتم وأي دم له سفكتم وأي تميمة برزتم وأي حرمة له انتهكتم وفي المنطق الثوري وطبقا ً لمقاييس الخطاب المحمدي الحسيني لا بد من تذكير ضحايا الخنوع بأنهم لم يرتكبوا جريمة كتلك التي ترتكب ويجري الحديث عنها كما يجري الحديث عن جرائم الجناية العادية إنهم فرع قلب رسول الله وكبده ورسالته لأن الحسين يمثل روح الرسالة
وروح النبي وروح الرسالات كلها فهم قتلة الرسالات وقتلة كل الأنبياء وبهذا أقول أن العين التي لا تبكي الحسين هي عين سفيانية ومن هنا أعتقد أن البكاء الذي حدث أثناء خطاب عقيلة الهاشمين كان بكاء لحظة الإحساس بالذنب والإحساس بالجريمة النكراء وليس دموع التوبة وطلب الغفران ولعل هذه السيدة الهاشمية أدركت ما للدموع من أثر في منعكس الشعور بالذنب فراحت توسع من هذا الإحساس لينقلب بعد واقعة الطف إلى نداء للثورة في نفوس الناس وربما في نفس دمعة كانت مع سيول هذه الجماهير الغفيرة المكتظة التي كانت تستمع لنيران الثورة وهي تلقي بحممها في ساحة الكوفة وشوارعها مثلما نعتقد أن كل الثورات الكوفية والمدنية ضد الأموية كان المسؤول عنها خطاب السيدة الهاشمية زينب ع وتركيزها على هول الجريمة والمسؤولية الشرعية والإنسانية المترتبة على مقتل الإمام
يقول الراوي : والله لقد رميت الناس يومئذ ويبكون ويضعون أيديهم فوق أفواههم ولقد رأيت شيخا ً واقفا ً إلى جنبي يبكي حتى اخضرت لحيته وهو يقول بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسائكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يرزى هذا هو أثر المنعكس الشعوري في الخطاب على الناس ولعله كان الرسالة الأعمق للثورة حيث لم تستطع الثورة بعد استشهاد كوكبتها ورجالاتها أن تدخل أسوار الكوفة وشوارعها حيث كانت زينب وخطاب الثورة كربلاء ثانية ومعركة أخرى تتجلى أبعادها بالحركة المفردة وقوة الصوت في صحراء النفوس الموهومة بأنها بمأمن عن العذاب في وقت كانت فيه الرؤوس الكبيرة محمولة على أسنة الرماح وهكذا يستعيد التاريخ أوراقه من جديد وتتجدد صفحات المعركة المستمرة بين روح الحسين في العراق اليوم وأتباع المنهج السفياني من أبناء ذات الجماعات التي قتلت الإمام في رمضاء كربلاء إنهم يذبحون العراقيين اليوم ليؤسسوا إمارة قائمة على اغتيال حلم العراقيين بالوحدة الوطنية شبيهة بالإمارة التي أسسها يزيد على جماجم الناس لكن هل يفلح القتلة ثانية باغتيال حلم العراقيين باستعادة وحدتهم وحريتهم ويقتلوا الحسين الذي تجذر في النفوس واستعصى على القتل
ظنوا بأن يزيدهم قتل الحسين لكنما قتل الحسين يزيدا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .