عراق الحسين موطن الأحرار وموطني

ونحن نعيش هذه الأيام الوطنية بامتياز  ، أيام استقلال وسيادة العراق التي لم تشهدها دول المنظومة الإقليمية من قبل ، أن تحصل على سيادتها واستقلالها التي جُرحتا  بسبب الاحتلال واستعيدتا دون سفك دماء بل باتفاق حضاري وحوار فعال ..

أيام فريدة من نوعها حيث انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي وسبقها انسحاب القوات الأجنبية المتعددة الجنسيات  من قبل بعد احتلال تجاوز الثماني سنوات ،

ولكن تفهم المحتل المتمكن عسكريا وتكنولوجيا وجيوشا جرارة طبيعة الشعب العراقي إذ كان يظن أن النظام العفلقي هو الممثل لهذا الشعب فجاء بأجندة وإمكانية وعِدّة متطورة وعدد جرار لاحتلال العراق بشكل دائم لأنهم عرفوا رعونة النظام المقبور وهمجيته ومخططاته الفاشلة على مدى أربعة عقود ولم يتوقعوا  أن ذاك النظام الهمجي لا يمثل إلا نفسه وحزبه ، 

إذ كان الظن أن هذا هو من يمثل العراق وشعبه ، لكن باحتلالهم للعراق اتضح لهم أنهم دخلوا في خندق مظلم وغير مُحَقق لتنفيذ أجندتهم الاستعمارية ..

فالكل يعرف أن الأمريكان ما إن خرجوا من دولة قاموا باحتلالها إلا وتركوا فيها قواعد عسكرية نافذة وفعالة كما جرى في دول عظمى ومهمة وليس بأفغانستان بعيدة عن تلك الدول رغم أن الأخيرة احتلت قبل احتلال العراق بعامين تقريبا ولا زال المحتل يجول ويصول في أرضها الوعرة وجبالها المتناثرة وطبيعتها القاسية ويهدد دول الجوار كباكستان مثلا ،  

وبالرغم من الفارق الكبير بين الطبيعة الأفغانية والعراقية فالعراق بلد الثروات المستديمة التي يشتهيها كل من يغزوها ، ولكن طبيعة أرض العراق هي رفض الغزاة والطغاة معا ، فالعراق مقبرة للطغاة ومحرقة للغزاة إلا الذين يستوعبون طبيعته  ويخرجوا منها بهدوء وبحفظ " ماء الوجه"  وهذه رسالة لكل من تسوّل له نفسه أن يفكر بغزو العراق عسكريا أو ثقافيا أو أي نوع من أنواع الغزو مهما كانت الذرائع ..

أما الطغاة فحدّث ولا حرج ولا نريد أن نعدد الكثير منهم ونشير للذكر لا الحصر لعبيد الله بن مرجانة والحجاج وصدام فقد هزموا شر هزيمة وهذا ما شاهدناه مؤخرا بالطاغية المقبور البعثي العفلقي صدام ..

قل للطغاة هوى صدام مندحرا             خاب الرهان وقل هل ينفع الندمُ؟

لقد قبل العراقيون بشكل أو بآخر إزالة النظام الاستبدادي المهزوم بالطريقة التي أزيل بها وهم على ثقة من إزاحة المحتل عن أراضيه بعد انتهاء هذا الكابوس وهذا رهان الشعب منذ اللحظة الأولى للاحتلال بل وقبل الاحتلال ،

ولم يتوقع احد أن يخرج المحتل بهذا الشكل وبهذه السرعة ودون مواجهة حادة رغم رغبته الجامحة بالبقاء مدة طويلة في بلاد الرافدين الخصبة والمتعددة الحضارات والمتنوعة الثروات ،

ولم يتوقع احد أيضا أن يفي المحتل باتفاقيته والكل كان يعتقد أن هذه الاتفاقية هي اتفاقية هشة ووهمية وسوف لن يطبقها الأمريكان لأنهم جاءوا ليبقوا لا ليغادروا العراق بعد تضحيات جسام قدموها في العتاد والأرواح ،

ولكن الحنكة السياسية والحوار الناجح للمحاور العراقي مع القيادة الأمريكية  يعود له الفضل الأول في خروج المحتل سلميا ،

وهنا يجب أن نتوقف عند رجاحة الذهنية العراقية في الحوار الناجح وهذا ما أسسه الإمام الحسين عليه السلام في نهضته الإصلاحية بضرورة قيادة الحوار إلى تحقيق بناء الدولة القوية والحفاظ على الكرامة وتحقيق سبل الحرية والديمقراطية ..

فصدام حارب الدنيا بعنجهيته الجاهلية الهدامة والغير مسؤولة واستبداده وقهره للشعب وتعديه على القريب والبعيد من خلال سياسة هوجاء وعقلية متخلفة ، 

أما المحاور العراقي اليوم فهو خريج مدرسة الحسين عليه السلام وتلميذ الرسالة المحمدية تمكن بالحنكة السياسية والحوارات الدبلوماسية أن يُقنع الطرف الأمريكي الذي لا يقتنع بسهولة من أن يقبل من الخروج من ارض العراق وان تكون العلاقة بين البلدين علاقة مدنية بناءة يتم من خلالها تبادل الخبرات والاستفادة من التطوير الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي والعلمي والمعرفي ،

فالعراقيون منذ نشأتهم طلاب علم ويتوقون إلى التحصيل العلمي والتطور الأكاديمي ،  وهذا ما شهدته العقود الغابرة التي قُبض فيها على العراق ومقدراته من قبل حفنة من جهلاء الحرس القومي العفلقي الطائفي ،

فكان العراقيون يهاجرون إلى كل بقاع الدنيا ابتعادا عن  البطش الصدامي ولكنهم برغم مغتربهم ونفيهم فقد حققوا تحصيلا علميا وثقافيا في كل بقاع الدنيا وهذا ما شهدت لهم كل دول العالم وحكوماتها ونال الكثير من الطاقات العراقية والكفاءات الأكاديمية والثقافية احترام وتقدير شعوب وحكومات تلك الدول والشواهد كثيرة ومتعددة ومتنوعة وأثبت العراقي وجوده بعزة وكرامة واحترام في طرح فكره وثقافته في بلدان المهجر وقبول تلك الشعوب والحكومات لهذه الطروحات على اعتبار أنها طروحات بناءة وحضارية .

حقيقة أننا نعيش اليوم انتصار الإمام الحسين عليه السلام بحكمته السياسية وثقافته الرسالية يوم أراد للعراق أن يكون منطلقا لنهضته الإصلاحية إلى كل أرجاء المعمورة ومركزا لمدرسته الفكرية التي تخرّج منها علماء وأدباء ومفكرون وسياسيون وقادة سجّلهم التاريخ بكل فخر واعتزاز والتي استمرت هذه المدرسة وتستمر لتكون المنارة المشعة في كل حضرة وبكل بقعة جغرافية تحتاج إلى التحرر والبناء والكرامة والعزة وتُبعد عن ربوعها شبح الإرهاب والاستبداد والقهر والظلم ،

وقد خاض العراق تجربة صعبة جدا مع محتل لا يُقهر والذي يُهدد العالم بقدرته وقوته وجبروته وسلاحه النوعي الفتاك ،

ولكن بأجندة الحسين الإيمانية والفكرية والحوارية وسياسته الإنسانية اللا إنهزامية تمكن من إعادة سيادته الوطنية وحقق استقلالا مختلفا جدا عن أيام الاستقلال المعتادة ،  

استقلالا يبتهج ويفتخر بالإطاحة بالطاغية والاستبداد والانفراد الحزبي أولا ترافق بانطلاق  جمهورية مستقلة ذات سيادة كاملة تنتخب قيادتها وتحاسب المقصرين بكل شفافية وديمقراطية بل سيادة كاملة على أراضيها بعد حوار ناجح ومثمر بامتياز مع المحتل من الانسحاب من أراضيه

وهاهو اليوم يعيش ونعيش معه شعبا في المغترب كما في الداخل نشوة الاستقلال متمنين أن تأخذ روح الحوار البناء في داخل الوطن وبين كافة أبناءه من حكومة وبرلمان وشرائح وطنية من المواطنين  والتمييز بين الصالح والطالح وإبعاد كل الشوائب التي عكرت صفو أجواء الوطن وان تستعد الحكومة بمؤازرة الشعب على البناء والاعمار ورفع الحيف الذي ظل قائما للأسف على الشعب العراقي ، وذلك  من خلال إبعاد كل من كانت أياديه ملوثة بالخراب والدمار خاصة أيتام وأزلام نظام الحرس القومي العفلقي الصدامي المقبور هؤلاء الذين يجب أن لا يؤتمن لهم ولا يعوّل عليهم في بناء الوطن  لأنهم من مدرسة ثقافتها الاستبداد والانحطاط والهدم والدمار والانهزام  قادها الطغاة على مدى الزمن

وهم من حاربوا مدرسة ٌ ثقافتها الكرامة والعزة والتحرر والحفاظ على حقوق الإنسان مدرسة سياستها " بالحوار البناء تبنى الأوطان وتستقر الشعوب"  ألا وهي مدرسة الحسين التي نعيش أيامها في ذكراها السنوية الخالدة ..

فالعراق اليوم حسيني كما أراده الشعب العراقي بكل شرائحه ونخبه وثقافاته ودياناته ،

فالنظام فيه يجب أن يكون نظاما بعيدا عن الطائفية وعن الدكتاتورية لا يُخيف أحدا ولا يخشى منه إلا الطغاة وأصحاب السوابق المهزومين والإرهابيين وذوي النفوس الضعيفة ،

من هنا نفتخر بأنه موطننا وبلدنا الذي هتفنا له على مدى ألف وأربعمائة سنة خلت أن يكون عراق الحسين بامتياز،

وجيش العراق الذي يحتفي اليوم في عيده الحادي والتسعين هو جيش الحسين عليه السلام الوطني اللاطائفي  الذي يحمي الوطن ويساهم في البناء والاعمار نحييه أجمل تحية ويجب أن يقف الشعب العراقي بكل شرائحه ونخبه إلى مساندة الجيش ومعاضدته ومؤازرته في مهمته الوطنية الشريفة ..

فعراق الحسين لا يكون إلا موطنا  للأحرار  لا يحكمه الأذلاء ولا الطغاة  بل يحكم حصرا بقبضة الإيمان والشرف والوطنية وأصحاب النفوس الأبية .

الدكتور عصام ناجي عباس

5 كانون الثاني 2012م

11  صفر  1433هـ

ــــــــ