ولاية علي  عليه السلام  إكمال للدين و إتمام للنعمة

بقلم : محمد الفاضل حمادوش

سطيف الجزائر

السبت 3 : نوفمبر 2012 ميلادي الموافق     لـ 18 ذو الحجة 1433 هجري

_ تعاضدت الأدلة النصوصية و تساندت آراء المؤرخين على أن الواقعة مؤكدة زمانيا و مكانيا على ولاية الإمام علي عليه السلام للمسلمين يترتب على ذالك و اجب إطاعته و إتباعه في المنشط و المكره و الأخذ منه ، و ليس من غيره ، الولاية ذات أبعاد و معاني تضم تحت جناحيها جميع عناصر الحياة و تنبئ عما بعدها ، ليس هي مقتصرة على الجانب السياسي كما يبدوا لقاصري النظر و كليلي الفكر ومن يمعن و يتدبر في بطون السنة من جميع المذاهب يتبين أن المسلمين قاطبة يقرون له بالإمامة و يسلمون له بأحقيته لها المتواتر في كتبهم أنه أتقى الناس و أعبدهم لله و أزهدهم في الدنيا و متاعها و أعلاهم مقاما ، و أكثرهم علما و أشجعهم في الحرب و أكرمهم في السلم ، و أبعدهم شأوا في الانتصاف للناس من نفسه ، و في التسامح لكل من آذاه و أساء إليه أعطى ذات نفسه للإسلام ، الملكات ، المواهب العبقرية روحه جسده حسبه و نسبه أولاده و زوجه للإسلام ، نحن الآن نتفيئ ظلاله و نتمتع بثماره نبت زرعه فأينع ثمره ، هذا الزمان زمانه ألم ينفذ الخميني و نصر الله وعده ،و يفوا بعهده ويوسع رواق فكره إن العودة القوية للفهم و الإدراك العلويين ، اللذين لم يقطعا مع الماضي كوحي ، و كسنة ، و كأئمة معصومين ، و كدعاء يفتت الحجر و يذيب الحديد يقوي الضعيف و يعيد الأمل لليائس ، و يطامن من كبرياء المتكبر ، إنه ينتشل كل من غلب عليه هواه و غرق في لجة الخطايا و الذنوب يساعده على أن يرتفع و يلحق بالصالحين و يشمله مجلس الفاضلين .

إن هذه الأطر التي تشكلت انطلاقا من هذه المحطة التاريخية الكبرى بفعل خبر السماء قصد الحفظ و الحماية لهذا الدين من أن يؤول لمقاصد دنيوية و أهداف مصلحية تأتي عليه من الأساس لأن الإسلام كمعرفة عميقة و علم يتصل بالأرض و يرتفع عليها ، في نفس الوقت و كتعاليم تهيمن على حركة الحياة و تتحكم فيها و توجهها ، معلوم و بديهي أن هذا النمط من المعرفة كان محدودا في عدد أشخاص يعدون على أصابع اليد ، هو الإجتباء و الإختيار الإلهي (( إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)) . و هنا مربط الفرس هل نستطيع أن نفهم الإختيار و الإجتباء خارج إطار معارف النص المقدس كلا ذلك ضرب من الخيال إن لم يكن لوثة الخبال آية التطهير ، و آية الولاية رأس الأمر كله وفي القرآن الكريم آيات أخر تندرج في هذا السياق و معانيها تنضم الى هذه المعاني أي معاني آية التطهير و آية الولاية و آية المباهلة ، لكنها تستفاد من السياق و من الإشارات و الإيحاءات المتكررة ،الى هذا المعنى المركز كعادة القرآن المجيد حينما يريد أن يثبت شيئا . و إلا كيف نفسر العواصف التي اجتاحت المجتمع الوليد ، و هزت أركانه ، من جراء خلافات حادة ، و شقاقات مخيفة ، كادت تأتي عليه من الأساس و تجعله في خبر كان ، أكيد أن سيدنا و شفيعنا وحبيبنا قلوبنا أبي القاسم محمد بن عبد الله صل الله عليه و آله و سلم ، كان متوقع بل متأكد بأن الذي وقع سيقع و شره على الإسلام و المسلمين سيكون وبيلا ، لأنه بحكم نصيب معرفة الغيب الذي خصه الله به ، و بحكم معرفته الدقيقة بالواقع بأن المسلمين بصفة عامة بالرغم من إيمانهم بالله و تصديقهم برسالته ، كثير منهم لم تتشرب قلوبهم عنصر الإيمان ، و لم ترقى عقولهم الى معرفة احاطة و ادراك تامين لهذا الدين و بتالي الإنصياع و التسليم عن رضا لقواعده و تعاليمه ، هذا الذي رتب وجود معصومين في المجتمع يكملون التعليم و التربية ، و نشر الوعي و اشاعت التنوير لهذا الدين الكبير فلنتذكر أن الهزيمة في أحد كانت نتيجة مخالفة تعاليم رسول الله صل الله عليه و آله و سلم ، فما بالك بمخالفة أكبر و أعظم .

مخالفة على مستوى قيادة الأمة دينيا و فكريا و سياسيا نتائجها الكارثية بالنسبة للأمة الإسلامية كانت على هذا المستوى .

إن ما يثيره هذا الخط الآن من تساؤلات ومن نقاش و حوار و حتى مجابهات و صدام و جبهات تتشكل و تغدق عليها الأموال و تحظى بالتأييد غير المحدود حتى من طرف أعداء الإسلام و المسلمين و يسود السخط و الإستنكار ، و التعجب للإسلام الذي يعرضه هذا الخط و كأنه خط جديد ظهر فجأة بفعل عوامل عرقية و طائفية و سياسية ، مع أنه خط معروف و مؤسس و تحدثت عنه كتب الفرق و ناقشته و ردت عليه أشياء و تحفظت منه أشياء و قبلت منه أشياء على كل ما قبلته منه هو الأساس و خاصة عند المذاهب الأربعة ، لو كان المسلمون كلهم منضوون تحت راية خط واحد و ينطلقون من فهم موحد للدين - لكنهم مختلفون في مذاهب شتى و اختلافهم قد يتباعد الى حد القطيعة و الإحتراب

و الشيعة وحدهم في خط يناقض و يضاد الخط الآخر لربما كان ذلك منطقي و بديهي أما و الأمر غير ذلك فالإنكار مكابرة و قفز فوق الحقائق : حقائق التاريخ و حقائق النصوص و حقائق الواقع .

مبارك للمسلمين بهذا العيد العظيم و نفعنا الله ببركاته و آثاره و تعاليمه و جعله ذخرا لنا في الدنيا و الآخرة .

 

بقلم : محمد الفاضل حمادوش

سطيف الجزائر

السبت 3 نوفمبر 2012 ميلادي الموافق

لـ 18 ذو الحجة 1433 هجري

 

 

 إكمال الدين وإتمام النعمة

لقد أنزل الله تعالى في يوم الغدير:
(اليَوْمَ أكمَلتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتـي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً)(1).
وقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله عن هذا اليوم:
وهو اليومُ الذي أكملَ اللهُ فيه الدينَ وأتمَّ علَى أمّتِي فيه النعمةَ ورَضِي لهُم الإسلامَ ديناً...(2).
وهذا معناه أنّه بإعلان ولاية أمير المؤمنين عليّ سلام الله عليه كفريضة من الله تعالى على المسلمين، يكون قد كمُل الإسلام، وبه تمّت نعمُه تعالى على الخلق. ومنه يمكن أن نستخلص أنّ الغدير:


أوّلاً: آخر الفرائض

روي عن الإمام أبي جعفر محمّد الباقر سلام الله عليه أنّه قال:
آخِرُ فريضةٍ أنزلها اللهُ الولايةَ (اليَومَ أكمَلتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتـي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً) فلم يَنزِلْ من الفرائضِ شيءٌ بعدها حتَّى قَبَضَ اللهُ رسولَهُ صلَّى الله عليه وآله(3).
وروي عن الإمام الباقر سلام الله عليه أيضاً قوله:
وكانت الفرائضُ يَنزلُ منها شيءٌ بعد شيء، تَنزلُ الفريضةُ ثم تنزلُ الفريضةُ الأخرى وكانتِ الولايةُ آخِرَ الفرائضِ فأنزلَ اللهُ عزّ وجلّ: (اليَوْمَ أكْمَلْتُ...) يقولُ اللهُ عزّ وجلّ: لا أُنزِلُ عليكُمْ بعدَ هذهِ الفريضةِ فريضةً، قد أكملتُ لكُمْ هذهِ الفرائض(4).
لقد أوحى الله عزّ وجلّ بالأحكام والواجبات الواحدة تلو الأخرى حتى ختمها بالولاية، فأنزل هذه الآية (اليَوْمَ أكمَلتُ...) ليعلن أن لا فريضة بعدها. فبعد نزولها وتنصيب أمير المؤمنين سلام الله عليه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله أدرك الناسُ مرادَ الله تعالى من الآية الكريمة: (أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ)(5) وعلموا أنّ عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يطيعوا أمير المؤمنين سلام الله عليه. فكانت فريضة الولاية آخر فريضة أنزلها الله تعالى على نبيّه صلى الله عليه وآله.


ثانياً: تمام النعم

ممّا يثير الانتباه في هذه الآية الكريمة أنّ الله تعالى قد ربط إتمام نعمته على الخلق بموضوع الولاية، أي كما أنّ كمال الدين يتحقّق بالولاية لمحمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام، كذلك فإنّ بها تمام النعمة على المسلمين.
والمقصود بالنعمة ـ في الآية ـ جميع النعم، ظاهرها وباطنها كالعدل والمساواة والاتّحاد والأخوّة والعلم والأخلاق والطمأنينة النفسية والروحية والحرّية، وبعبارة موجزة جميع أنواع العطايا.
لذا، فقول أولئك الذين سعوا إلى تفسير النعمة في الآية بالشريعة وبالنعم المعنوية فحسب، محلّ تأمّل ونظر، لأنّ الآية المذكورة لم تتطرّق لمسألة أصل النعمة، بل سياقها يدور حول إتمام النعمة، أي جمع أنواع النعم، فأينما ورد ذكر إتمام النعمة في القرآن الكريم كان المراد منها كلّ النعم التي يصيبها الإنسان في الدنيا(6)، ومن هنا نستطيع معرفة علاقة مباشرة بين ولاية أمير المؤمنين علي سلام الله عليه والتمتّع بالنعم الدنيوية المشروعة، وذلك لمحورية الولاية العلوية باعتبارها أحد الشروط المهمّة والرئيسية للوصول بنا إلى مجتمع قائم على أساس الحرية والعدالة والقيم والفضائل الأخلاقية والإنسانية؛ لذا يحتمّ الواجب أن نسلّم لما بلّغ به رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم الغدير، وأن نقبل عملياً بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه.
بعبارة أخرى: إنّ الأخذ بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه التي أنزلها الله تعالى وفرضها على المسلمين في يوم الغدير، له أثر تكوينيّ يوجب سبوغ البركات والخيرات على الناس من الأرض والسماء. قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:
(وَلَوْ أنَّهُمْ أقَامُوا التَوْراةَ وَالإنْجيلَ وَما أُنزِلَ إلَيهِمْ مِنْ رَبـّهِمْ لأكَلوا مِنْ فَوقِهِمْ وَمِنْ تحْتِ أرجُلِهِم)(7).


ثالثاً: سبيل الله الأوحد

لو أردنا أن نفهم الغدير في عبارة موجزة لأمكننا القول:
إنّ الغدير هو الوعاء الذي تجتمع فيه جميع تضحيات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وهو مخزن الأحكام والآداب التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله الأمين، والإشارة إلى هذه الحقيقة ومدى توقّف البعثة الخاتميّة عليه تجسّد في قوله جلّ وعلا:
(يا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغ ما أنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لم تفعَل فما بَلَّغتَ رِسالَتَه)(8).
والغدير روضة الفضائل والأخلاق والمكارم والمحاسن، بل هو المكارم بعينها، والتطوّر الحضاري والمعنوي كلّه يدين له بذلك؛ لاعتباره أهمّ عامل في حفظ كيان الدين والملّة، ويعدّ إنكاره بمثابة إنكار لجميع القيم الإسلامية السامية.
فالغدير بجوهره وروحه يعني مدرسة أمير المؤمنين سلام الله عليه التي تصلح لإسعاد البشر جميعاً. فأمير المؤمنين سلام الله عليه هو ـ بعد الرسول صلى الله عليه وآله ـ أعظم آيات الله عزّ وجلّ، ولا تضاهيه آية، ولذلك يقول الإمام الصادق سلام الله عليه عن الذي تخيّل أنه يبلغ معرفة الله عن غير طريق أمير المؤمنين فَلْيُشَرِّقْ وَلْيُغَرِّبْ، أي لن يبلغ غايته ولو يمّم وجهه شرقاً وغرباً.
إنّه لمن تعاسة الإنسان وسوء حظّه أن يطلب العلم والمعرفة من غير طريق محمّد وعلي وآلهما سلام الله عليهم. ومهما كان العلم المستحصل من غيرهم فلا قيمة له، لأنه مفرّغ من القيم الأخلاقية والمعنوية، وبعيد عن روح الشريعة. وكلّ خطّ لا ينتهي إلى الغدير فهو ردّ على الدين والردّ عليه ردّ على الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وأهل بيت رسوله سلام الله عليهم، لأنّ كلّ القيم والفضائل ومكارم الأخلاق تختزل في الغدير وتنبع منه.


رابعاً: مظهر القيم

وقد يطرح التساؤل الآتي: كيف يكون إحياء الغدير عند الله تعالى وفي الملأ الأعلى؟
نقول في الجواب: الحقّ أنّ العقل عاجز عن الخوض في غمار هذه البحوث، ويظلّ كلّ ما يفهمه الآخرون ـ سوى المعصومين سلام الله عليهم ـ قاصراً أمام فهم عظمة الغدير في السماوات، ومن ثم فإنّه يكفينا أن نفهم ما وردنا في عظمة الغدير عن أئمّتنا المعصومين وما تناله عقولنا من أنّ إحياء الغدير يعتبر إحياءً للعدالة وحسن السياسة والتدبير في معاش الناس وأمنهم، وطرداً للجور واللامساواة والإجحاف.
فعندما يكون أمير المؤمنين سلام الله عليه هو المولى بمقتضى الغدير وغيره، فهذا معناه أن يعيش الناس كلّهم في أمان واطمئنان، ولا يوجد جائع أو محروم، ولا ضلال أو انحراف بهذه الصورة ويكون أدنى الناس حالاً متساوياً أمام القضاء مع أعلاهم منزلة، بل حتّى مع الحاكمين أنفسهم، وما تراه من حالات الخير والإحسان ـ وإن كثرت ـ إن هي إلا قطرة في بحر مواهب الإمام سلام الله عليه.
إنّ خطّ الله تعالى والصراط المستقيم ممتدٌ في طول ولاية الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه وذلك لتسود الفضائل في المجتمع.
فيوم الغدير في الحقيقة هو روح جميع الأيام، وإحياؤه إحياء لعيد الفطر والأضحى والجمعة بل كلّ الأعياد. ففي الغدير استمرار العدل والإنصاف، وكلّ القيم التي خلق الله من أجلها الإنسان وبعث إليه الأنبياء والرسل.


(1) سورة المائدة، الآِية: 3.
(2) أمالي الصدوق: ص125، ح 8¬، المجلس26.
(3) تفسير العيّاشي: ج1، ص292 ح20، مورد الآية.
(4) دعائم الإسلام للقاضي المغربي: ج1 ، ص15، ذكر ولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه.
(5) سورةالنساء، الآية: 59.
(6) مثل قوله تعالى: (...ولأِتمّ نعمتي عليكم...) سورة البقرة، الآية: 150؛ وقوله تعالى: (...وليتمّ نعمته عليكم) سورة المائدة، الآية: 6؛ وقوله تعالى: (... ويتمّ نعمته عليك) سورة يوسف، الآية: 6؛ وقوله تعالى: (... كذلك يتمّ نعمتَه عليكم...) سورة النحل، الآية: 81؛ وقوله تعالى: (...ويتمّ نعمته عليك) سورة الفتح، الآية: 2.
(7) سورة المائدة، الآية: 66.
(8) سورة المائدة، الآية: 67.